في سياق تطبيق القوانين الإماراتية الحديثة، يبرز حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح كقضية محورية في منظومتنا القانونية.
لذلك يستعرض هذا المقال مفهوم الصلح في القانون الجنائي الإماراتي، ويحلل الحكم القضائي الأبرز من محكمة التمييز، ثم يتناول متى يمكن الطعن على اتفاق الصلح، والاستثناءات المنصوص عليها في المادة 357 من قانون الإجراءات الجزائية، وأثر الصلح على الدعوى المدنية. كما نوضح دور المحامي المختص في هذا المجال، ونجيب عن أبرز الأسئلة الشائعة، تابعوا معنا.
للدعم القانوني، تواصل معنا عبر أرقامنا في صفحة اتصل بنا لتلقي استشارة من محامٍ مختص.
جدول المحتوبات
تعريف الصلح في القانون الجنائي الإماراتي
يُعد الصلح من الوسائل القانونية التي أقرّها المشرّع الإماراتي لحل بعض القضايا الجنائية بعيدًا عن الاستمرار في الإجراءات القضائية المطوّلة. ويُقصد بالصلح في هذا السياق، الاتفاق الذي يتم بين المجني عليه أو من يمثله قانونًا، والمتهم، والذي يتضمّن تنازل المجني عليه عن شكواه أو حقوقه في المتابعة الجزائية، مقابل تنفيذ شروط معينة.
وقد نظم القانون الاتحادي رقم 38 لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية، هذا النظام ضمن مواد واضحة، حيث أجاز التصالح في أنواع محددة من الجنح والمخالفات فقط، كما حدّد توقيتات إجرائه، سواء في مرحلة جمع الاستدلالات أو أثناء المحاكمة أو حتى بعد صدور الحكم النهائي، ما لم يكن قد نُفِّذ فعليًا.
ويمثّل الصلح في القانون الإماراتي وسيلة فعّالة لتحقيق العدالة التصالحية، إذ يساهم في تخفيف العبء عن المحاكم، ويمنح المجني عليه فرصة للتعويض أو التسوية دون انتظار سنوات من التقاضي.
وذلك حسب ما جاء في المواد 356 إلى 359 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية (نُشر في الجريدة الرسمية العدد 737 بتاريخ 30 سبتمبر 2022، نافذ من 2 يناير 2023).
حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح في الإمارات
أكّدت محكمة التمييز في دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال عدة أحكام صادرة عنها، أن الصلح في القضايا الجنائية – متى تحققت شروطه – يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية بقوة القانون، دون الحاجة إلى صدور حكم قضائي موضوعي في القضية.
ومن أبرز المبادئ التي يعتمد عليها حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح هي:
- حجّية محضر الصلح: إذا تم التصالح بين المجني عليه والمتهم وفقًا للقانون، وثُبِّت ذلك بمحضر رسمي لدى النيابة العامة أو المحكمة المختصة، فإن هذا المحضر يُعد سندًا قانونيًا نهائيًا، لا يجوز الطعن فيه ولا الرجوع عنه، ويترتب عليه انقضاء الدعوى مباشرة.
- عدم جواز إثارة الدفع بعدم الاختصاص أو الطعن بعد الصلح: أوضحت المحكمة أن من يرضى بالصلح ويتنازل عن حقوقه الجنائية، لا يجوز له لاحقاً الرجوع عنه بحجة عدم اختصاص النيابة أو أي دفع آخر، طالما تم استيفاء الشكل القانوني.
- وجوب التزام المحكمة بالتصالح: بيّنت المحكمة أن للقضاء واجبًا قانونيًا بإثبات انقضاء الدعوى متى ما تحقق التصالح بين الطرفين في نطاق الجرائم المسموح بها، دون سلطة تقديرية في هذا الشأن.
- انحسار أثر الصلح على الجرائم غير المشمولة: في أحد الأحكام الحديثة (الطعن رقم 434 لسنة 2023 جزائي)، شدّدت المحكمة على أن الصلح لا يسري على الجرائم الخارجة عن النص، حتى وإن ارتبطت بجرائم أخرى قابلة للتصالح. وهذا يعني أن التصالح لا يُجزّأ ليشمل جرائم غير منصوص عليها صراحة.
لقد تم الاعتماد على أحكام منشورة عبر وزارة العدل الإماراتية (الطعن رقم 688 لسنة 2019 جزائي، والطعن رقم 434 لسنة 2023 جزائي) في إعداد الفقرة السابقة.
متى يمكن الطعن على اتفاق الصلح؟
حدّد القانون الإماراتي بوضوح الحالات التي لا يجوز فيها الطعن على اتفاق الصلح، وهو ما أكدته المادة 357 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية، التي أعطت للصلح قوة قانونية ملزمة بمجرد اعتماده لدى النيابة العامة أو المحكمة المختصة.
وفقاً لهذه المادة، فإن الطعن على الصلح يصبح غير جائز قانونًا في الحالات التالية:
- بعد اعتماد الصلح رسميًا: بمجرد توقيع محضر الصلح واعتماده من النيابة أو المحكمة، لا يمكن لأي طرف الرجوع عنه أو الطعن عليه بأي وسيلة.
- إذا تم تنفيذه وفق الشروط: في حال قام المتهم بتنفيذ التزاماته كما وردت في اتفاق الصلح (مثل دفع المبلغ المتفق عليه)، فإن الدعوى تُعد منقضية ولا يجوز إحياؤها.
- مرور المدة القانونية دون اعتراض: إذا لم يُبدِ أي طرف اعتراضًا خلال المهلة المنصوص عليها قانونًا (عادة أسبوعان من تاريخ إخطار المتهم)، يُعتبر الصلح نافذًا بشكل نهائي.
إلا أن القانون، حرصًا على تحقيق العدالة، أتاح الطعن أو الاعتراض في حالات نادرة جدًا. والتي سنتعرف عليها في الفقرة التالية.
استثناءات نص المادة 357 من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتية
رغم أن المادة 357 من قانون الإجراءات الجزائية أقرّت بمبدأ نهائية اتفاق الصلح وعدم جواز الطعن عليه بعد اعتماده، إلا أن المشرّع الإماراتي وضع لها بعض الاستثناءات الدقيقة التي تهدف إلى حماية أطراف الصلح وضمان نزاهة الإجراءات.
وفيما يلي أهم هذه الاستثناءات:
- الصلح المعلق على شرط أو أجل: لا يُعتدّ بالصلح إذا كان مرتبطاً بشرط غير متحقق أو بأجل لم يحن بعد، كأن يشترط المتهم تأجيل التنفيذ أو ربطه بواقعة مستقبلية. فالاتفاق المعلّق لا يُنتج أثره القانوني إلا بعد تحقق ذلك الشرط.
- عدم الأهلية القانونية: إذا تبيّن أن الطرف الذي وقّع على اتفاق الصلح (المجني عليه أو من يمثله) لا يملك الأهلية القانونية الكاملة – كأن يكون قاصرًا أو فاقداً للأهلية – فيُعتبر الصلح باطلًا لمخالفته القواعد الأساسية في القانون.
- حالات الإكراه أو التدليس: إذا ثبت أن أحد الأطراف تعرّض لضغط غير مشروع أو تم خداعه لتوقيع الصلح، فيجوز له الطعن عليه أمام الجهة المختصة بطلب إبطاله.
- الجرائم الخارجة عن نطاق الصلح: نصت أحكام محكمة التمييز بوضوح على أن الصلح لا يمتد أثره إلى الجرائم التي لا يشملها القانون، حتى وإن كانت مرتبطة بجرائم قابلة للتصالح. وبالتالي، فإن انقضاء الدعوى يقتصر فقط على ما أجيز به الصلح صراحة.
- غياب تنفيذ الشروط خلال المهلة المحددة: إذا لم يقم المتهم بتنفيذ التزاماته خلال المهلة القانونية (غالبًا 15 يومًا من تاريخ اعتماد الصلح)، فإن النيابة العامة تملك حق إعادة تحريك الدعوى.
هذه الاستثناءات تؤكد أن المشرّع الإماراتي لم يُطلق الصلح على عواهنه، بل ضبطه بقيود تضمن الجدية، والوضوح، والعدالة في تطبيقه، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.
أثر الصلح على التعويض المدني في القانون الإماراتي
رغم أن الصلح في القضايا الجنائية يؤدّي إلى انقضاء الدعوى الجنائية، كما هو واضح في حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، إلا أن تأثيره على الحقوق المدنية يختلف بحسب مضمون الاتفاق. فقد حرص المشرّع الإماراتي على الفصل بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية، وهو ما نصّت عليه المادة 358 من قانون الإجراءات الجزائية بوضوح.
وبموجب هذه المادة، فإن الصلح:
- لا يُسقط حق المجني عليه في التعويض المدني: إذا لم ينص الاتفاق صراحة على التنازل عن المطالبة بالتعويض، يظل للمجني عليه الحق في اللجوء إلى المحكمة المدنية للحصول على تعويض عن الضرر الناتج عن الفعل الجرمي.
- يسقط الحق في التعويض إذا تضمّن الصلح ذلك صراحة: في حال تضمّن محضر الصلح بنداً واضحاً يقرّ بتنازل المجني عليه عن كافة الحقوق، بما في ذلك التعويض، فإن ذلك التنازل يكون ملزماً ونافذاً.
- لا يُعتدّ بالصلح كمسوّغ لإعفاء المتهم من المسؤولية المدنية: حتى إذا انقضت الدعوى الجنائية بالتصالح، يمكن للمجني عليه أن يطالب بالتعويض إذا ثبت له ضرر، طالما لم يتنازل عنه صراحة.
- لا يمنع الصلح من مساءلة المتسبب في الضرر أمام القضاء المدني: وهذا يُعزّز مبدأ استقلال الدعوى المدنية عن الجنائية، ويُراعي مصلحة المجني عليه في الحصول على تعويض عادل.
هذا التوازن القانوني بين الصلح الجنائي والحقوق المدنية يوفّر ضمانة مهمة للمجني عليه، ويمنع استغلال نظام التصالح كوسيلة للإفلات من المسؤولية المدنية.
أهمية المحامي المتخصص في إدارة الصلح الجنائي
يلعب المحامي المختص دورًا محوريًا في ضمان نجاح إجراءات الصلح في القضايا الجنائية، وتحقيق أقصى استفادة قانونية لكل من المتهم والمجني عليه. وتطبيق حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح بشكل دقيق فبسبب الطبيعة الدقيقة لنظام التصالح وتداخله مع الحقوق المدنية والجزائية، فإن غياب التمثيل القانوني السليم قد يؤدي إلى إسقاط حقوق أو الوقوع في إجراءات باطلة.
وفيما يلي أبرز المهام التي يضطلع بها المحامي في هذا السياق:
- تقييم مدى قانونية التصالح: من خلال دراسة نوع الجريمة والتأكد من أنها مشمولة ضمن الجرائم التي يجوز فيها الصلح، وفق نصوص القانون والأحكام القضائية ذات الصلة.
- صياغة اتفاق صلح متوازن: يحرص المحامي على تضمين البنود القانونية الضرورية في اتفاق الصلح، بما يحفظ حقوق الطرف الموكِّل، سواء أكان متهمًا أو مجنيًا عليه، ويمنع أي تفسيرات لاحقة ضده.
- تمثيل الأطراف أمام النيابة أو المحكمة: لتوثيق محضر الصلح واعتماده رسميًا ضمن الإجراءات، وضمان عدم سقوط الدعوى الجنائية أو تضاربها مع الحقوق المدنية.
- حماية الحقوق المدنية: في حال رغبة المجني عليه بالتصالح دون التنازل عن التعويض، يعمل المحامي على فصل الالتزامات بوضوح في الاتفاق، مع حفظ حق اللجوء إلى القضاء المدني لاحقًا.
- مرافقة المتهم في تنفيذ الالتزامات: كضمان سداد المبالغ المستحقة أو تقديم الاعتذار الرسمي أو غيرها من شروط الصلح، خلال المهلة القانونية المحددة.
وجود محامٍ متمرس لا يقتصر على حماية الطرف قانونيًا فحسب، بل يسهم أيضًا في إتمام التصالح بشكل قانوني يُنتج آثاره ويوفّر الطمأنينة القانونية لجميع الأطراف.
الأسئلة الشائعة حول حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح بالإمارات
استعرضنا في هذا المقال أبعاد حكم محكمة التمييز في انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح في القانون الإماراتي، بدءًا من تعريف الصلح وشروطه، مرورًا بأبرز المبادئ القضائية التي أرستها محكمة التمييز، ووصولًا إلى الحالات التي يمكن الطعن فيها على الصلح، والاستثناءات القانونية التي قد تمنع سريانه. كما تناولنا أثر التصالح على الحقوق المدنية للمجني عليه، والدور الحاسم الذي يؤديه المحامي المختص لضمان سلامة الإجراءات وصون الحقوق.
إن نظام التصالح الجنائي يمثل توجهًا تشريعيًا متطورًا في دولة الإمارات، يعكس حرص المشرّع على تحقيق العدالة التصالحية دون المساس بمبادئ الإنصاف وحماية حقوق الضحايا.
إذا كنت طرفًا في قضية جنائية وترغب في معرفة ما إذا كان الصلح خيارًا قانونيًا متاحًا لك، تواصل مع محامي جنائي في الإمارات مرخص لدى مكتبنا عبر زر الواتساب أسفل الشاشة لتقييم موقفك وتقديم استشارة قانونية مخصصة.
تنويه قانوني:
المعلومات الواردة في هذا المقال لأغراض التوعية فقط ولا تشكّل مشورة قانونية. للحصول على استشارة قانونية دقيقة ومخصّصة، يُرجى التواصل مع محامٍ مرخص في دولة الإمارات العربية المتحدة.
المصادر
- قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي – مرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022.

محامٍ بارز في مجال القانون الجنائي في الإمارات، حيث اكتسب سمعة متميزة بفضل خبرته وإسهاماته الأكاديمية. كما ويشغل مكانة مرموقة كمحكم ومحاضر في عدة أكاديميات وجامعات في الدولة، ويتمتع بخبرة واسعة في التشريعات وصياغة القوانين ومسائل الجهات الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، يعمل عضوًا في عدة مؤسسات مهنية وأكاديمية على الصعيدين الوطني والدولي، بما في ذلك جمعية الإمارات العربية المتحدة للمحامين ومجلس الاستشارة التربوية لجامعة الإمارات الأمريكية وجامعة الشارقة، ولجنة التحكيم العربية.